ونسة خاصة جداً.. ميرغني أبشر: ذكاء الطبيعة ينتخب “المرمورة”: لماذا ينجذب الرجال لهذا الكمال؟
يبدو هذا السؤال بسيطاً ومحرجاً في آنٍ واحد، لكن وراءه تاريخ طويل من الرموز والدلالات التي تجمع بين الغريزة والجمال والذاكرة الإنسانية. فالمؤخرة الأنثوية ليست مجرد مَعلم جسدي، أحسبها عندي رمزاً كونياً أعمق ارتبط في الوعي الجمعي بفكرة الخصب والحياة والاكتمال.
منذ أقدم العصور، مجّد الإنسان هذا الجزء من الجسد. نرى ذلك في تماثيل “فينوس” الأوروبية القديمة، وفي النقوش المروية الكوشية، تظهر المرأة بهذا الامتلاء والاستدارات الجمالية في العجزية والأفخاذ، بوصفها رمزاً للخصب ، وكتمثيلٍ لانسجام الجسد مع دورة الطبيعة وذكائها الخلّاق، الذي ينتخب الكمال الحيوي .
وهو ما نقبض عليه أيضاً في النقوش المشرقية التي جسّدت عشتار وإيزيس بأرداف ممتلئة دلالةً على القدرة على الإنجاب والوفرة. ومع مرور الزمن، استقر هذا الرمز في اللاوعي الإنساني باعتباره علامة الحياة نفسها.
و المؤخرة ليست مجرد مَعلمٍ جسدي، هي علامة بيولوجية على الخصب والتوازن الهرموني، حيث ترتبط دهون الورك والفخذين بالقدرة على الإنجاب وتطوّر دماغ الجنين بحسب ما عثرت في دروس مادة الأحياء التي احب. لذلك كان انجذاب الرجل إليها جزءاً من “ذكاء الطبيعة” في اختيار الشريك،فليس الأمر مجرّد ميلٍ بصريٍّ عابر. لكن هذا الميل الغريزي سرعان ما اكتسب بُعداً رمزياً: فاستدارة الجسد الأنثوي تحوّلت إلى صورة للجمال الكوني نفسه — كدائرة القمر، وامتلاء الثمرة، ونعومة الموج — أي إلى جمالٍ يعبّر عن اكتمال الحياة.
لكن الجاذبية لا تتوقف عند البعد البيولوجي أو التاريخي؛ فهي أيضًا نفسية عميقة. فالمؤخرة تمثل للرجل مركز الأنوثة الغامض، ومزيجاً من الحياء والإغراء، وتثير لديه شعوراً بالاكتمال البصري والوجداني، إذ تجمع بين التوازن والانحناء والانسجام، وهي صفات ترتبط بالسلام الداخلي والجمال الطبيعي.
وثمّة بعدٌ نفسيٌّ آخر أكثر خفاءً: إذ عملت الأديان ونُظم الأخلاق المحافظة على خلق مجتمعات فصلت الذكور عن الإناث، ودفعت التجارب الأولى للمراهقين في كثيرٍ من البيئات إلى التعرف على الجنس من خلال علاقات مثلية أو خيالات مبكرة ارتبطت بالمؤخرة كرمز للجنس ذاته. وحين اكتمل وعي الرجل بالأنثى، نقل هذا الرمز الطفولي إلى المرأة، فصارت المؤخرة — في لاوعيه — الدلالة والمحفز الجنسي الأول، تجسيداً لرغبةٍ قديمة أُعيد توجيهها نحو موضوعها الطبيعي الجديد. بهذا المعنى، فإن عشقها ليس مجرّد عادة ثقافية، بل امتدادٌ لطفولةٍ نفسيةٍ مبكرةٍ جرى “أنسنتها” داخل صورة المرأة.
اجتماعياً، توافقت نظرة الثقافات إلى هذا الجزء من الجسد وكلٌ على طريقته: ففي المجتمعات الإفريقية واللاتينية كان الامتلاء مدعاة فخر وأنوثة، بينما حولته الثقافة الغربية المعاصرة إلى رمز استهلاكي عبر الموضة والإعلام، فصار معياراً جديداً للجاذبية تُقاس به اللياقة والجمال. ومنذ “فينوس ويلندورف” إلى النحت الإغريقي، كان الامتلاء علامة الجمال. وفي الثقافة العربية الحديثة بقي الرمز نفسه حاضراً: من مشهد عادل إمام في “مرجان أحمد مرجان” وهو يعلّق ساخراً “أهم حاجة في المرأة خلفيتها الحضارية”، إلى صور سما المصري التي أثارت الجدل وهي تكتب: “الاهتمام بالمؤخرة يضعك دائماً في المقدمة”. إنه استمرارٌ لوعيٍ جمعيٍّ يرى في المؤخرة جوهر الأنوثة، ومركز التوازن الجسدي والجمالي، حتى وإن تباينت طرق التعبير بين السخرية والاحتفاء.
أما من زاوية الجمال الخالص، فالمؤخرة تجسيد لفكرة الاستدارة التي ترمز في الفلسفة إلى الكمال والانسجام. فكما يفتننا القمر بدائرته، يفتننا الجسد بانحناءاته المتناسقة التي تذكّرنا بدائرة الوجود نفسها. إنها فتنة العين الأولى، ونداء الطبيعة إلى أصلها الدائري الذي لا بداية له ولا نهاية.
ولم يخلُ الأدب العربي من هذا الشغف الجمالي، فقد تغنّى الشعراء عبر العصور بانحناءة الجسد وتناسقه. يقول كعب بن زهير في قصيدته الشهيرة:
هيفاءُ مقبلةٌ، عجزاءُ مدبرةٌ — لا يُشتكى منها قِصرٌ ولا طولُ.
ويقول المتوكل الليثي من شعراء الدولة الأموية:
إذا تمشي تأوّد جانباها — وكاد الخصر ينخزل انخزالا.
أما أعشى همذان فقال:
ثَقُلتْ روادفُها ومالَ بخَصرِها — كفَلٌ كما مالَ النَّقا المتقصفُ.
وقد عبّر النابغة الذبياني عن الصورة نفسها بلغة أكثر رقّة:
مخطوطةُ المتنينِ، غيرُ مفاضةٍ — رَيّا الروادفِ، بضّةُ المتجرّدِ.
وهذه الأشعار تكشف أن امتلاء العجيزة كان معيار الجمال الأنثوي في الذوق العربي القديم، إذ فضّل العرب المرأة الرشيقة الأعلى، الممتلئة الأسفل، وعدّوها مثال التناسق والخصب. وفي كتب اللغة، رُصِدت عشرات الأسماء للمؤخرة: “العَجزاء” للمرأة الممتلئة الأرداف، و“المرمورة” لمن ترتج عجيزتها وهي تمشي، و“البزواء” لمن تُظهرها فخرًا، و“الزلّاء” و“الرسحاء” لمن صغُرت عجيزتها. حتى المعاجم الكبرى مثل لسان العرب وتاج العروس والمحكم والمحيط الأعظم أفردت صفحات طويلة لهذه المفردات، ما يعكس الاهتمام اللغوي والثقافي القديم بالجمال السفلي للمرأة.
في التحليل الجمالي الأعمق، استدارة المؤخرة ليست فتنة حسية فحسب، بل رمزٌ للاستدارة الكونية — رمز الكمال الذي يتكرّر في الطبيعة: القمر، العين، الثمرة، الطواف حول المركز. يقول بودلير: “الأنثى انحناءة من الجمال الإلهي نحو الأرض”، بينما رأى جبران خليل جبران أن “الجمال ليس حاجةً في الجسد، بل نداء في القلب”.
هكذا، فإن انجذاب الرجل للمؤخرة ليس نزوة، بل استجابة بيولوجية وروحية وتاريخية ولغوية، توارثها الإنسان منذ أن رأى في الجسد ميثاق الحياة، وفي الأنثى مرآة الكون المتكاملة. إنها لحظة اتحاد بين الغريزة والتأمل، بين الخصب والفن، بين الإنسان والطبيعة التي كوّنته على صورتها الأولى.
الشرطة السودانية تحتفي بعيدها الحادي والسبعون في بورتسودان
بورتسودان : كل نيوز نظمت الشرطة السودانية احتفالا بالعيد الحادي والسبعون للشرطة السودانية …






