ميرغني ابشر يكتب : دُنْجُوانِيَّةُ مُحَمَّد: مُرَاجَعَةٌ في سَرْدِيَّاتِ التُّرَاثِ وَالمُعَاصَرَةِ لِزِيَجَاتِ النَّبِي
ونسة..
مايشبه المُقَدِّمَة؛
ينطلق بعض الكتبة الإسلاميين من سرديَّةٍ غلبت على كتب السيرة والتاريخ، مفادُها أنَّ تعدُّد زيجات النبي محمد كان يروم بها لربط القبائل العربيَّة بالإسلام، وهي مقولة واهية رسَّخها النقلُ المتواتر غير المُمحِّص، حتى غدت تُدرَّس في بعض المناهج المعاصرة بوصفها منقبة نبوية. ولأنَّ تلك المقولة أُريد لها أن تبرِّر كل زواج قام به النبي من منطلقٍ سياسيٍّ أو اجتماعيٍّ، فقد وقعت في شَرَك التعميم المُخل، وهو ما التقطه بعض اللادينيين ليبنوا عليه طعنهم في شخصية النبي ومقاصده، متهمينه بالنفعيَّة أو الشبق، أو كليهما.
في هذه المبحث، نُفكِّك تلك المقولة عبر ثلاث وقفات منهجيَّة: أولًا، في ضحد سرديَّة التجمُّع القبليّ كمُحرِّك أساسي للزيجات؛ ثانيًا، في تفنيد فكرة التبعيَّة الجنسيَّة للرغبة أو الجمال؛ وثالثًا، في بيان كيف أسَّست تلك الزيجات لتشريع اجتماعي غير مسبوق في بيئة جاهليَّة سادت فيها أعراف الذُّكوريَّة والنبذ.
الوقفة ألاولى: نَقْضُ سَرْدِيَّةِ الرَّبْطِ القَبَلِيِّ.
يرتكز الطرح السائد، الموروث من كتب التراث، على اعتبار أنَّ النبي محمدًا كان يُزوِّج ويَتزوَّج بغرض تمتين الولاءات وجمع القبائل تحت راية الإسلام، وهي حُجَّة تجد نفسها في مأزق التعميم حين ندقِّق في التفاصيل.
إذ أنَّ من بين اثنتي عشرة امرأة عقد عليهن النبي، لا نجد سوى جويرية بنت الحارث، التي أدَّى زواجه بها إلى إسلام قومها “بني المصطلق” وإطلاق سراح الأسرى، ممَّا يُعدّ استثناءً لا قاعدة. أمَّا بقيَّة الزيجات، فلا يظهر فيها منطق الربط القبلي: زينب بنت خزيمة مثلًا، كانت أرملة شهيد من بدر، وزينب بنت جحش كانت مُطلَّقة من زيد بن حارثة الذي كان يُدعى ابن محمد؛ وسودة بنت زمعة، اعتنقت الإسلام وهاجرت للحبشة وفقدت زوجها هناك؛ ورملة بنت أبي سفيان جاءت من الحبشة مُهاجرةً بعد وفاة زوجها؛ وعائشة كانت صبيَّة لم تبلغ، أجاب بها النبي رغبة صديقه أبي بكر؛ وأم سلمة خطبها من ابنها، وكانت مُسنة.
هذه الأمثلة لا تُعزِّز نظرية التجمُّع القبلي، بل تكشف عن اختيارات يغلب عليها البعد الإنساني، لا السياسي.
الوقفة الثانية: التَّشْكِيكُ فِي فَرَضِيَّةِ الشَّهْوَةِ
ثمَّة إلحاح من بعض الأقلام اللادينيَّة على تصوير النبي كرجلٍ متتبِّعٍ للشهوة، منقادٍ لغواية النساء، يركض خلف الغنج والجمال. غير أنَّ وقائع التاريخ تقلب هذا الادعاء رأسًا على عقب، إذ لا نجد ثيمةً جماليَّةً مشتركة بين زوجاته، ولا قاسمًا يغري الناظر برؤية “دونجوان” عربيٍّ يلتقط الحسناوات من قريش.
تزوج النبي من أرامل، من مُسنَّات، من فاقدات الأزواج، من مهجَّرات، ومن نساءٍ لا يُعرف لهنّ حُسنٌ ظاهر. لم تكن سودة ولا أم سلمة ولا حفصة تمثلن فُتنة الجسد في المخيال الجاهلي. وإنَّما حملت كلّ زيجة بُعدًا إنسانيًّا أو اجتماعيًّا، لا علاقة له بنزوة. بل إنّ محمدًا، في أوج شبابه، وعبر سنوات طلاقته الممتدة من صباه حتى سن الأربعين، لم يُؤثر عنه تلهّف على النساء أو ملاحقتهن، وهو في زمنٍ كان يُبيح ذلك، ويمنحه له موقعه الاجتماعي.
فلماذا إذًا، حين أثقلته أعباء الدعوة، وتحفَّزت عليه قريش، وداهمته مسؤوليات التأسيس، يتفرَّغ لما يُقال إنَّه شهوة؟ هذا تناقض لا يصمد أمام التمحيص.
الوقفة الثالثة: التَّشْرِيعُ لِمُجْتَمَعٍ جَدِيد
إنَّ بعض زيجات النبي محمد كانت، في جوهرها، تأسيسًا لتشريع جديد يُجابه الأعراف الجاهليَّة الصارمة. فحين تزوَّج من زينب بنت جحش – وهي مطلَّقة مُتبنَّاه زيد – فقد أسقط بذلك قاعدة اجتماعيَّة راسخة تحرِّم على الرجل الزواج من زوجة من تبنَّاه. وكان القرآن صريحًا في تأكيد هذا التغيير.
كذلك المرأة التي وهبت نفسها للنبي، فتحت بهذا الفعل سابقة فقهية جديدة: أن تملك المرأة مبادرة الخطبة والعرض، وهي سابقة لم تعهدها المجتمعات الأبوية. لقد كان في بعض زيجات النبي إذًا، لا مجرَّد إغاثة أو ستر، بل فتحٌ تشريعيٌّ لأفقٍ اجتماعيٍّ كان محرَّمًا على نساء الجاهلية.
كما أنَّ الإسلام، حين حدَّد التعدد في أربعة، لم يفتح بابًا جديدًا، بل أغلق بابًا مشرعًا. جاء التحديد تقنينًا لتعددٍ فوضويٍّ، لا شرعنته كما يُشاع.
مايشبه الخَاتِمَة
ليست “دونجوانيَّة محمد” وصفًا حقيقيًّا، بل نحتًا مُغرضًا لملء فراغٍ تأويليٍّ صنعه بعض الكتبة التراثيين، وركب موجته اللادينيون لاحقًا. وعند النظر بعين التاريخ، والتمعُّن في الشخصيَّة النبويَّة في سياقها الاجتماعي والرسالي، تظهر الحقيقة جليَّة: لا زيجات سياسيَّة لتجميع القبائل، ولا اندفاع غريزي في طلب النساء، بل تشريعات تأسيسيَّة، وعلاقات إنسانيَّة، واختيارات تُخالف تمامًا ما يُروِّج له من سرديات مختزلة لا تصمد أمام النقد العلمي الرصين.
المراجع
- ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا.
- الطبري، تاريخ الرسل والملوك.
- محمد حسين هيكل، حياة محمد.
- نصر حامد أبو زيد، الخطاب والتأويل.
- طه حسين، الفتنة الكبرى.
الشرطة السودانية تحتفي بعيدها الحادي والسبعون في بورتسودان
بورتسودان : كل نيوز نظمت الشرطة السودانية احتفالا بالعيد الحادي والسبعون للشرطة السودانية …






