‫الرئيسية‬ Uncategorized ونسة ميرغني : المقدس والرمز: قراءة في أنطولوجيا النص القرآني«سورة يوسف وآية النور: كنز تأويلي »
Uncategorized - سبتمبر 23, 2025

ونسة ميرغني : المقدس والرمز: قراءة في أنطولوجيا النص القرآني«سورة يوسف وآية النور: كنز تأويلي »

ونسة.. ميرغني أبشر

في الأول إفتتاحية: سرّ السورة الذي لم تكشفه كتب التفاسير !!.

في سورة يوسف هناك خيط باطني خفي، بطله ليس يوسف ولا يعقوب ( عليهما السلام )، بل الأخ الذي ظلّ يلوّح في الظلال، يقترح ويذكّر ويصون العهد.
اقول لكم والحق أقول ، دوماً في حياة المختارين ثمة “عبدٌ صالح خفي” يحمي بذكاء فوق طبيعي المختار أو الوليّ الكامل، ويبقى متواريًا في خدمة المعنى، يعرفه أهل الدراية باسم “الحامي”.
هو الذي اقترح البديل الذكي حين قال:﴿لا تَقْتُلوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعضُ السَّيّارَةِ﴾ (يوسف: 10).
وهو الذي نبّه إخوته على الميثاق الذي قطعوه لأبيهم: ﴿قالَ كَبِيرُهُم أَلَم تَعلَموا أَنَّ أَباكُم قَد أَخَذَ عَلَيكُم مَوثِقًا مِّنَ اللَّـهِ﴾ (يوسف: 80).
وهو الذي التزم بالميثاق ورفض العودة، ليكون درسًا لغيره: ﴿قالَ كَبِيرُهُم فَلَن أَبرَحَ الأَرضَ حَتّى يَأذَنَ لِي أَبي أَو يَحكُمَ اللَّـهُ لِي﴾ (يوسف: 80).
وهو البشير الذي عاد يحمل القميص الموشّى برائحة يوسف، لأنه أمانة يعرف سرّها العميق: ﴿فَلَمّا أَن جاءَ البَشيرُ أَلقاهُ عَلىٰ وَجهِهِ فَارتَدَّ بَصيرًا﴾ (يوسف: 96). ويعرف مشايخنا هذا السر (اغراض من سبقهم على السجادة)
إنه “الأخ الكبير، أو الوليّ الخفي الحامي”، الذي لم تُبرزه كتب التفسير شخصاً واحداً، لكنه في نسيج السورة خيطٌ لامع يقيم التوازن، ويمنع اكتمال الجرم، ويُبقي أبواب التوبة مشرعة.
إنه من أسرار السورة التي تُتلى ولا تُستقصى؟

ثم إليك متن المقال المقصد:

يمثّل النص المقدّس – ونعني به القرآن على وجه الخصوص – وقائع إمّا تاريخية أو قبل تاريخية متعالية، تُروى بوصفها أحداثًا لا تقبل الدحض، ولا يتأتّى فهمها أو تفسيرها إلا عبر أدوات اللغة المختلفة: من استعارة ورمز ومجاز ونحو، وسائر ضروب البيان. كما لا يتيسّر إدراك مضامينه إلّا ضمن اليومي والمعاش الإنساني، إذ يتعذّر هذا الإدراك إن لم يستخدم الإنسان بناه النفسية والعقلية للتعبير عمّا يعنيه المقدس. وهو أمر طبيعي لتبيان مقاصده، يقوم على معرفتنا بلغة النص وبنية بيئته.
عند مطالعة القرآن، نجد استخدامًا رمزيًا ومجازيًا للغة يجبرنا على تجاوز القراءة الحرفية إلى القراءة الرمزية التأويلية، لإضافة معنى آخر خفيّ للمعنى المتبادر. وكما أسلفنا، لا يتأتّى فهم الرمزي في النص المقدس إلّا من خلال القبض على مدلوله الشائع في بيئة النص. ومن هنا فإنّ القراءة الرمزية هي وحدها القادرة على العبور بنا من سطح الرسم والحكي الميثي إلى الحقيقة الأنطولوجية؛ أي جعل اللامعقول، وفق أقيسة الإنساني، مقبولًا وموضوعيًا.
ولكي تقترب القراءة الرمزية للمقدس من مقصد النص، عليها أن تنطلق من علوم اللغة أولًا، ومن مدلولات الرمز في بيئة النص ثانيًا. ونعني ببيئة النص الجماعة التي يخاطبها، أو الدلالة الرمزية التي يتبنّاها، والتي نقبض عليها عبر مقابلة الآيات في سياقات متقاربة أو متضامنة.
فنجد مثلًا أنّ سورة يوسف تقدّم نموذجًا غنيًّا للقبض على رمزية المقدس من داخل سياقاته: فالشمس والقمر والكواكب والطير والخمر والبقر والسنابل، جميعها رموز ذات معانٍ خفية. فحين يقول تعالى: ﴿إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾، ينهض النص بذاته مقدّمًا قراءة رمزية للرؤيا، على لسان يعقوب: ﴿وكذلك يجتبيك ربك ويعلّمك من تأويل الأحاديث﴾. وهنا فسر يعقوب رموز حلم يوسف منتهيًا إلى دلالات محددة: الشمس والقمر والكواكب تشير مجتمعة إلى تحقق النفس الكاملة في يوسف.
ووفق بيئة الرموز يمكن اقتراح تصوّر أعمق لتأويل يعقوب: فالكواكب تمثل ضروب العلوم والمعارف الإنسانية المتعددة بقرينة كثرتها وتباينها، والشمس ترمز إلى الحقيقة المتعالية أو اللاوعي بمفهوم المقدس، بينما يدل القمر على كمال العقل وامتلاك الحكمة، أي انقياد الوعي واللاوعي معًا نحو تحقيق الفردنة والكمال النفسي – بحسب تعبير يونغ. فالشمس والقمر يعدّلان نفس يوسف وتكوينه، بخلاف الكواكب التي تمثل المعارف والعلوم الملهمة أو المكتسبة.
ثم ينقلنا النص المقدس إلى مستوى آخر من القراءة الرمزية للرؤيا: ﴿ورفع أبويه على العرش وخرّوا له سجدًا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًا﴾. هنا تتحقق نبوءة يعقوب في المكانة التي نالها يوسف عند عزيز مصر، بفضل كمال نفسه وعلمه بالتأويل، وهو السبب الرئيس في خروجه من السجن. في هذا المستوى الجديد، تكتسب الشمس دلالة الأمومة والأنوثة، بينما ينهض القمر رمزًا للأبوة والذكورة.
وقبيل أن نغادر رمزية الشمس والقمر، يجدر القول: إنّ الشمس ترمز دومًا إلى المشترك الجمعي في الحياة، بما تتضمنه من صور بدئية وطاقات لاواعية تُعدّ سببًا للحياة وأمًّا حاضنة للغموض. فهي تجري لمستقر لها، بحسب توصيف المقدس، أي أنّها تجري بالنماذج والصور الأصلية في الأدوار المتعاقبة للخلائق. أمّا القمر، رمز الوعي والعقل، فهو يعود دومًا في المقدس كالعرجون القديم إلى نهاية حتمية بفناء الفرد.
وفي مقام آخر، نجد في القرآن إحياءً للجوامد وإنطاقًا لغير العاقل، وهي صفة يمتاز بها النص المقدس شأنه شأن النص الميثي. فالجوامد فيه تنطق وتطيع وتشعر وتتمرد، لتجبرنا على الغوص في مراميها الرمزية. يقول تعالى: ﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين﴾. هنا يضفي النص على السماء والأرض إرادة وشعورًا، مما يقودنا إلى رمزية عميقة ترى السماء ذكرًا والأرض أنثى. فالسماء صاحبة الإخصاب، والأرض حاضنة للحياة ورحمٌ للبذور، ليكشف النص عن معنى خفيّ يتصل بالمباضعة الجنسية المذعنة لقيم الجماعة، التي تحقق استقرارًا للنفس، بخلاف الإتيان كرهًا الذي يورث صراعًا داخليًا.
إن رمزية السماء الذكر والأرض الأنثى تقف بنا على معانٍ أخرى في الكتاب، كما في قوله تعالى: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾، أي كل ما وقر في ظهور الرجال وسكن في أرحام النساء سيستوي على طبيعته الإنسانية. وقوله تعالى: ﴿يخرج الخبء في السماوات والأرض﴾ حيث يرمز المخبوء إلى ماء الرجال ونطف النساء. هذه الرمزية لها جذور قديمة في اعتقاد البشر، إذ عبدت بعض الجماعات الأرض بوصفها إلهة، واحتفلت بزواجها السنوي من إله الشمس رمزًا لاتحاد السماء بالأرض لضمان الخصوبة.
وتتبدى ثنائية السماء والأرض أيضًا في آية النور: ﴿الله نور السماوات والأرض…﴾. هنا تتحول الثنائية من رمزية الذكر والأنثى إلى رمزية “الأنيموس” و”الأنِيما” (الاتجاهين الذكوري والأنثوي في النفس الواحدة). فالآية ترسم صورة متكاملة للنفس الإنسانية الكاملة التي تحتشد بالمعرفة المتعالية. فالمشكاة تمثل الحضور المادي للإنسان، والمصباح هو التكثيف الأعلى للنور، والزجاجة كوكب دري يرمز إلى المعرفة الحكمية، بينما الزيتونة التي ليست شرقية ولا غربية تمثل مركز الدائرة ومصدر المعرفة الخالص.
بهذا ترسم الآية صورة دائرية تتجسد فيها وحدة النفس وكمالها. فالدائرة ترمز دوما إلى الاكتمال النفسي، وقد عبّر يونغ عن ذلك بقوله: “ليست النفس مركز الدائرة وحسب، إنما هي أيضًا محيطها الذي يشتمل على الوعي واللاوعي معًا”. وهكذا تقدّم آية النور مثالًا بالغ الجمال للإنسان الكامل الذي يحقق في ذاته الاتزان بين الجسد والروح، بين الأنيما والأنيموس، ويغتني بالمعرفة المتعالية في أصلها الصافي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الشرطة السودانية تحتفي بعيدها الحادي والسبعون في بورتسودان

بورتسودان : كل نيوز نظمت الشرطة السودانية احتفالا بالعيد الحادي والسبعون للشرطة السودانية …