ميرغني أبشريكتب : سِجالُ الإعرابِ والوَحْي: في الأخطاء النَّحْوِيَّةِ والبَلَاغِيَّةِ في القُرْآن
مايشبه المقدمة
تتسلل بعض الكتابات المتأخرة إلى فضاء النقد الديني، مختالةً بإمساكها على ما تراه أخطاءً نحوية واضحة في آي القرآن، مقارنةً بما استقر من قواعد النحو المدرسي. وتُسوّق هذا الإمساك بوصفه شاهدًا على بشرية النص، ونقضًا لادّعاء حفظه وقدسيته، مُسيّجةً استنتاجاتها بذلك المقبوض اليسير، غافلةً أو متغافلةً عن ما يقدّمه تراث العربية، قديمه وحديثه، من ردودٍ تكفي لمقارعة شبهاتها ودحض سذاجتها.
ومبتدأ حديثنا أن النص القرآني قد ورد بلسانٍ معرّب، محكوم في بنيته اللفظية والبلاغية بقواعد النحو والبيان، سواء منها ما هو مقبولٌ عند مدارس اللغة، أو ما كان غائبًا عن لساننا المعاصر، محفوظًا في شوارد التراث ومخبآته. ومن هذه الشوارد، كلمة “لكن” التي غدت من المعرفات المتداولة على أنها حرف نصب. ويروي لنا قصتها أبو الأسود الدؤلي، إذ لما نهض بوضع النحو بتكليف من علي بن أبي طالب، قال:
«فجمعت أشياء وعرضتها عليه، وكان من ذلك حروف النصب، فكان منها: أن، وإن، وليت، ولعل، وكأن. ولم أذكر “لكن”، فقال لي: لم تركتها؟ فقلت: لم أَحْسِبْها منها، فقال عليه السلام: بل هي منها، فزدها» (الشرقاوي، 376).
إن النص القرآني، إذ يهدف إلى غاية كبرى في التبيان، يحتكم لقواعد في البيان والصرف تتجاوز في بعض الأحيان النحو المدرسي، لأنه ينتمي إلى ضربٍ مغايرٍ لما نعرف من نثر وشعر. يقول ابن خلدون في “المقدمة”:
«وأما القرآن، وإن كان من المنثور، إلا أنه خارجٌ عن الوصفين، وليس يُسمّى مرسلاً مطلقًا ولا مسجّعًا، بل هو مفصّل آيات تنتهي إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء الكلام عندها» (ابن خلدون، 724).
ويؤكّد طه حسين:
«إن القرآن ليس نثرًا كما أنه ليس شعرًا، إنما هو قرآن، ولا يمكن أن يُسمّى بغير هذا الاسم، لأنه مقيّد بقيودٍ خاصة به» (طه حسين، 25).
تأسيسًا على هذا، فإن للنص القرآني عروضه الخاص الذي يفرض أحيانًا كسرًا لقواعد النحو والبلاغة التقليدية، تمامًا كما يكسر الشعر قواعد اللغة ليحافظ على أوزانه ومعانيه. وكما قيل:
«فلكل فن من الكلام أساليب تختص به وتوجد فيه على أنحاء مختلفة» (ابن خلدون، 728).
الشواهد الشعرية لكسر القواعد
في الشعر، كما في القرآن، نجد تجاوزًا للقواعد، لا عن جهل، بل عن وعي جمالي وبلاغي. يقول لَبيد العامري:
إِلَيْكَ جَاوَزْنَا بِلَادًا مُسْبِعَةً
يُخْبِرْكَ عَنْ هَذَا خَبِيرٌ فَاسْمَعَهْ
فقد سكّن الشاعر فعل “يُخبرك”، وحقّه الرفع بالضمة، مما يُظهر تجاوزه الواعي لقواعد الإعراب.
ويقول أبو دجانة، سماك بن خرشة، في معركة أُحد:
أَنَا الَّذِي عَاهَدَنِي خَلِيلِي
وَنَحْنُ بِالسَّفْحِ لَدَى النَّخِيلِ
أَنْ لَا أَقُومَ الدَّهْرَ فِي الْكُبُولِ
أَضْرِبْ بِسَيْفِ اللهِ وَالرَّسُولِ
وحكم “أضرب” هنا هو الرفع، لكنه جاء ساكنًا للوزن.
ومن المتنبي نأخذ هذا البيت:
بَادَ هَوَاكِ صَبَرْتُ أَمْ لَمْ تَصْبِرَا
وَبَكَاكِ إِنْ لَمْ يَجْرِ دَمْعُكِ أَمْ جَرَى
فقد حرّك “تَصْبِرْ” وهي مجزومة بـ”لم”.
التحوّلات في بنية النحو والبلاغة
ومن تحوّلات النحو في التراث أن تُلحَق الصفة بالموصوف كما في “الدجال الأعور”، لكننا نجد جريرًا يقول:
يَا ضَبَّ، إِنْ هَوَى الْقُيُونُ أَضَلَّكُمْ
كَضَلَالِ شِيعَةِ أَعْوَرِ الدَّجَّالِ
فحوّل الصفة والموصوف إلى مضاف ومضاف إليه.
وقد رصد الزمخشري نماذج مشابهة في القرآن، مثل: “مسجد الجامع” و”دار الآخرة”.
ويؤكد التوحيدي أن:
«النحو يتبع ما في طباع العرب، وقد يعتريه الاختلاف» (التوحيدي، المقابسات).
وقد كانت سليقة العرب وطبعهم عمدة في نظمهم، حتى جاء القرآن مخالفًا أحيانًا لما جرى عليه لسان الجاهلية. ويؤيد هذا ابن خلدون، حين نقل حوارًا بينه وبين أبي القاسم قاضي غرناطة، حول سبب تفوق بلاغة العرب الإسلاميين على الجاهليين، فأجابه الأخير:
«هؤلاء الذين أدركوا الإسلام، سمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث… فنهضت طباعهم وارتقت ملكاتهم في البلاغة… فكان كلامهم أحسن ديباجةً وأصفى رونقًا…» (ابن خلدون، 739).
في مخالفة اللهجة القرشية: شاهد معاصر
وقد ابتدَع النص القرآني حذف الهمزة أو إبدالها، مخالفًا لهجة قريش، ثم شاعت هذه الصيغ في لغة الكتاب. مثل:
“مستهزؤون” أصبحت “مستهزئون”
“أتتخذنا هُزواً” بدل “هُزُؤًا”
“كفواً أحد” بدل “كفؤًا أحد”
وقد وقف على هذه الظاهرة حسن الترابي، وهو ضليعٌ في اللغات واحتفى بها ضمنيًا في عنوان كتابه “..اثنا عشر السنين”، بدلًا من “سنة”، تواؤمًا مع ما جاء في القرآن: “اثنا عشر أسباطًا”. وقد تكرر منه هذا النهج في صوغ عناوين غير مألوفة تماشيًا مع خصوصية اللسان القرآني.
ويؤكد هادي العلوي أن القرآن:
«مَصدرٌ من مصادر اللغة، أي إنه حَكَمٌ لا محكومٌ عليه» (العلوي، 188).
ويضرب مثالًا من قوله تعالى:
“وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث… وكنا لحُكمهم شاهدين”
فـ”داود وسليمان” مثنّى، ومع ذلك جمع الضمير في “حكمهم”، توخّيًا للغرض البلاغي وليس التقيّد الحرفي بقواعد النحو.
ما يشبه الخاتمة
إنَّ ما يُسمَّى بالأخطاء النحوية أو البلاغية في القرآن، ليس إلا تجاوزًا مقصودًا واعيًا لمألوف القواعد، صادرًا عن أسلوب خاصٍ مغايرٍ لما اصطلح عليه لاحقًا من تقعيد. وهو ما عبّر عنه التوحيدي بقوله:
«النحو كَيْلٌ بصاع اللفظ… وإذا استقام لك عمود المعنى في النفس فلا تكترث ببعض التقصير في اللفظ…» (المقابسات).
وقد تنبّه الخليل بن أحمد إلى خطورة التزمّت في هذا الباب، فأكّد أن لغة العرب أوسع من أن تُلزم فيها قاعدة واحدة.
المراجع
1/ عبد الرحمن الشرقاوي، علي إمام المتقين، ج2، ص 376.
2/ ابن خلدون، المقدمة، فصل في انقسام الكلام إلى فني النظم والنثر، ص 724.
3/ طه حسين، من حديث الشعر والنثر، دار المعارف، ط12، ص 25.
4/ ابن خلدون، المقدمة، فصل في صناعة الشعر ووجه تعلمه، ص 728.
5/ هادي العلوي، المعجم العربي الجديد، ط2، المدى.
6/ التوحيدي، المقابسات.
7/ ابن خلدون، المقدمة، ص 739.
8/ حسن الترابي، اثنا عشر السنين، مركز دراسات المستقبل، ط1.
9/ ابن خلدون، المقدمة، فصل في علم النحو، ص 702.
10/ التوحيدي، المقابسات، المقابسة التاسعة والثلاثون.
الشرطة السودانية تحتفي بعيدها الحادي والسبعون في بورتسودان
بورتسودان : كل نيوز نظمت الشرطة السودانية احتفالا بالعيد الحادي والسبعون للشرطة السودانية …






